السيرة       أفلام       فوتوغرافيا       الصحافة       روابط


 

الصندوق الأحمر

 

البارحة ذهبت لتفقد صندوق بريدي، الذي اعتدت ألا يصلني عليه سوى الفواتير الدورية وبعض الدعايات والعروض الترويجية .. ولكن، هذه المرة كان الأمر مختلفا.

 

كانت موجودة تلك الأظرف المعتادة، التي تعرف ما بداخلها دون عناء فتحها، ولكن بينها كان ظرف آخر، بدت عليه سمات مختلفة، وبفتحه، وجدت رسالة لم يصلني مثلها منذ سنوات تبدو طويلة جدا.

 

إنها رسالة شخصية .. مكتوبة بخط اليد.

 

رسالة بسيطة، تحوي كلمات أبسط، ولكن ما همّني في هذا الأمر حقا، هو ذلك الشعور – الذي لم يراودني منذ ما يزيد على 12 عاما – بجمال الأسلوب التقليدي البسيط في التواصل، الذي يحمل خصوصية رائعة معه، من الروح التي تكتب الرسالة، إلى الروح التي تقرأها.

 

لسبب ما، لهذه الخصوصية طعم لذيذ ومختلف عن تلك الموجودة في الرسائل الإلكترونية، ربما القلم هو السبب .. أداة فعلية متصلة اتصال مباشر وتام بالجسد، تنقل وتترجم الأحاسيس والمشاعر أثناء لحظة الكتابة، وتحمل مع حبرها حرارة الدم إلى الورق، مجسدة بذلك حالة الروح ذاتها، لتصبح الكلمات في النهاية مرآة شخصية جدا عاكسة لما لا يرى.

 

ربما تشبه هذه المقارنة ما نقوله ونشعره في الأداء والعزف الموسيقي، إذ أن صوت الآلات الحية ساحر آسر، وله عذوبة رائعة ورونق خاص جدا لا يمكن أن تضاهيه الأصوات المعاد تجسديها إلكترونيا. وبمقارنة كهذه فإن الأكيد في الأمر أن صوت القلم على الورق أجمل وأرق وأعذب بكثير من صوت النقر على مفاتيح لوحة التحكم.

 

أما ذروة جمال هذا الشعور اليوم فقد كان عندما بدأت في كتابة الرد، ورغم أنني لضيق الوقت كتبت كلماتي – للأسف – على جهاز الكمبيوتر وطبعتها بواسطة طابعة إلكترونية، إلا أن المتعة الحقيقة كانت في اللحظات التي أمسكت فيها الورقة بيدي لأضعها داخل الظرف، وأخذت القلم لكتابة عنوان كل من المرسل والمرسل إليه بعناية، ثم بللت طابعي بريد فئة 50 فلسا بلساني قبل وضعهما على الظرف، وأخيرا .. اللحظة الحاسمة .. إلقاء الظرف نفسه في صندوق الرسائل.

 

حقيقة واحدة تيقنت منها في ذلك المساء البارد، إنني حقا أفتقد هذا الصندوق.

 

وتحت السماء التي تلبدت بالغيوم اقتربت بخطواتي منه، ونظرت إليه للحظات، كنت أرغب في التأكد أنه هو ذات الصندوق الأحمر الذي لم أقربه منذ سنوات، متمنيا ألا تكون لعنة العصر الحديث قد غيرت شكله هو الآخر.

 

إنه هو .. ذات الصندوق الأحمر.

 

ثم استنار جوف الصندوق بضوء القمر لثانية، مرت سريعا.

 

أثناء كتابتي لهذه السطور، تمكث الرسالة في دفء ظرفها داخل هذا الصندوق، بانتظار ساعي البريد الذي سيأخذها إلى عنوانها الجديد.

 


نواف الجناحي  

7 يناير 2007

 


الصفحة الرئيسية   |   البريد الإلكتروني