السيرة       أفلام       فوتوغرافيا       الصحافة       روابط


 

لوحة .. معنى .. حكمة !

 

أكتب هذه الكلمات مباشرة بعد تأثري بمسبباتها ..

اليوم، السماء تلبدت تدريجيا بالغيوم، الرياح هبت من وقت لآخر بقوة لا نراها كثيرا في بلادنا، الجو كان حارا نوعا ما، مناقض لما يجب أن يكون عليه في مثل هذا الوقت من السنة!

هذه كانت المقدمات ..

وبعد حوالي الرابعة عصرا، تكلمت الطبيعة .. رسم الله - سبحانه - بها لوحات لا مثيل لها، هنا في معشوقتنا أبوظبي، هذه المدينة التي أصبحت تخنقنا بزحام غير معهود، زحام غير مرغوب فيه، زحام البشر، وزحام البنايات الصماء التي باتت تقتل ذكريات الأطفال وجمال الطبيعة في كل زاوية وكل ركن، الآن يذكرنا الله - تعالى - ويؤكد لنا أن هذه المدينة لازال بها من السحر والجاذبية ما يمكن أن يخفف من همومنا المفروضة علينا ولو قليلا!

لقد أمطرت السماء لبعض الوقت، ولكن أروع تصاميم الطبيعة تتكلم في اللحظات التي تعقب بكاء السماء، وهي - لحسن حظي - اللحظات التي خرجت فيها من مركز المارينا عائدا إلى البيت، لأشهد هذه الصور والمعاني التي لا تعوض.

وسأتكلم هنا فنيا نوعا ما ..

 

أتعرفون كيف كان الجو عامة؟

 

البحر كان هائجا، ولكنه كان متفهما، لا أعرف إن كنتم فهمتم ما أعنيه، أو ما إذا كنت قد عبرت عما أريد بشكل جيد أم لا، ولكن .. دعونا من هذا ..

لقد كان سقف أبوظبي مغطى تماما بالغيوم، ولكن هناك .. بعيدا .. في الأفق الغربي، تكشفت هناك طاقة هائلة، لم يكن في الإمكان رؤية الشمس، ولكنها كانت هناك، فوق هذه الطاقة الواسعة، تلقي بأشعتها الصافية خلال السماء المنقاة بحبيبات المطر، لتضرب بها مدينتنا الغالية من جهة واحدة فقط، بعكس ما يحدث عادة من أن يكون الضوء منتشرا مبسوطا من كل الجوانب.

والنتيجة كانت مذهلة، لقد كان كل شيء مواجها للجهة الغربية يعكس ألوانه بقمة الصفاء والوضوح، كانت الألوان كلها صارخة بصفائها وقوة حضورها، وفي خلفية كل ذلك، الغيوم الداكنة، لقد كان تباين فني متكامل، كانت لوحة رائعة، بكل عناصرها.

إنها لوحة .. قد لا نراها إلا في تصميم كمبيوتري، لا أعرف كم منكم رأي شيئا كهذا، ولكن من لم ير، فقد خسر كثيرا.

في خضم كل هذا، وفي طريقي على كورنيش أبوظبي رأيت تلك الأسوار التي تضعها شركات المقاولات والبلدية لتغطي بها مشاريعها التي لا تنتهي في بلادنا - ولا أعتقد أنها ستنتهي - .. لقد سقطت كل هذه الأسوار على وجهها، سقطت عن كل مشروع مررت به، ورأى الجميع كل شيء.

 

لقد أبت الرياح إلا أن تقول كلمتها هي أيضا، ولو بشيء من التواضع، وبإسلوبها الخاص، لقد أسقطت كل هذه الأسوار المثبتة بالقوالب الإسمنتية، على جانب الطريق وجدت جذع شجرة وقد تكسرت أغصانها ونعرت جذورها، أشياء - أو أشلاء - وجدتها ملقاة هنا وهناك.

ولكن ..

في وسط كل هذا ..

لفت انتباهي، شيء، لا يمكن أن يكون إلا كلمة من القدر، رمز إلهي، علامة للتاريخ، لا أعرف، ولكنه بالتأكيد رمز ومعنى مقصود، وليس مجرد صدفة.

في منتصف كورنيش أبوظبي، وأمام برج بينونة، توجد صورة كبيرة لفارسنا الأصيل وشيخنا ووالدنا الحبيب زايد بن سلطان آل نهيان، وهو على صهوة جواده العربي الأبيض، هذه الصورة رغم حجمها، ووضعيتها التي كانت مواجهة للرياح بزاوية 90 درجة، ظلت ثابتة .. راسخة .. قوية .. شامخة .. هي .. والمعنى الذي تمثله.

صدفة؟ .... لا أعتقد .. أبدا ..

لقد ابتسمت وضحكت على كل ما فعلته الرياح بما سبق وذكرت، ولكنني ما أن لمحت صورة فارسنا، وأدركت منذ الثانية الأولى كم هي شامخة .. ثابتة .. لم أشعر بنفسي إلا وأنا أقول: "فديتك".

نعم .. أفديك بحياتي ودمي أيها الفارس الأول ..

أيها القائد ..

أيها الوالد ..

معان كثيرة، رموز، لم يلقيها الله - تعالى - علينا إلا لحكمة.

كم خسر من لم يكن هناك اليوم ..

وكم كانت خسارتي أنه لم تكن بحوزتي كاميرا، أي كاميرا، لأسجل هذه اللحظات، هذه اللوحة، هذه المعاني والرموز الإلهية، فحديث القدر والطبيعة لا يتكرر كل يوم.

 


نواف الجناحي  

18 مارس 2002

 


الصفحة الرئيسية   |   البريد الإلكتروني