السيرة أفلام فوتوغرافيا الصحافة روابط
نواف الجناحي : التمويل لن يحول أمام طموحاتي
يؤمن أن الإبداع السينمائي معزوفة بديعة لها مكوناتها ولحنها وأوتارها الخاصة، ما يجعلها تتطلب أشخاصا محددين شعارهم العمل الدؤوب والإقتداء بروح التحدي لتجاوز أي عوائق، بالتوازي مع الاطلاع المعرفي والثقافي الواسع والخبرة والتجريب في عدة مجالات حياتية متنوعة. حوار "الشروق" مع الجناحي كان له مذاقه الخاص بحكم سعة أفق اطلاع هذا المخرج الشاب والحرفية المهنية واللغوية التي تلمسها في شخصيته. لنتابع هذا الحوار:
:: نواف الجناحي مخرج وسينمائي إماراتي ممثل ومصور فوتوغرافي ومخرج. ماذا أضاف لك كل ذلك وكيف استطعت التوفيق؟ أعتقد أن سبب نجاحي هو تمكني، وبالخبرة العملية الميدانية، من كافة عناصر ومفردات فن الإخراج، فإذا مارست كمخرج التمثيل والتصوير وأتقنتهما بحرفية ستكون دقة أعمالك وجودتها مغايرة وذات جودة مختلفة عن ما هو الحال لدى الآخرين.
:: والدك فنان ولكنك واجهت رفضه بداية لدخول هذا المجال. ما هو سبب إصرارك؟ منذ الطفولة وأنا أرى نفسي كصانع أفلام وقد تعزز ذلك لدي واختمر نهائيا منذ المرحلة الإعدادية والثانوية، ولم أتصور يوما أن حياتي ستسير بعيدا عن السينما كأن تكون مثلا في شكل العمل الوظيفي اليومي.
ومعارضة الوالد في البداية كانت من منطلق الخوف على مستقبلي كون أن الفن والسينما (وحسب الاعتقاد السائد في مجتمعاتنا) ليسا عملا بل نوع من الترفيه ولا يمكن أن يوفرا للإنسان قاعدة مادية لحياة كريمة.
ونجحت نهاية المطاف في دراسة فنون السينما بالولايات المتحدة الأمريكية.
هاجس وضرورات
:: لماذا تركت عملك بتلفزيون أبوظبي، هل كان ذلك بداعي التفرغ؟ هاجسي اليومي وطموحي الدائم القدرة على التفرغ لعملي كصانع أفلام من دون أن أكون مرتبطا بعمل وظيفي، فأنا ممن يؤمنون بأنك إذا أردت أن تبدع لا يجدر أن تكون محصورا بساعات ورتم عمل وظيفي يومي. فهل يمكن أن يتحقق لك الإبداع وأنت مقيد بنمط ونظام ساعات عمل (أنا مثلا أعشق العمل في ساعات الليل)؟. إنها تبدو كحاجز أمام حرفيتك وتفتق موهبتك الإبداعية. وهذا بالحقيقة ما يجعلني أناشد جميع الجهات المعنية لوضع وإقرار خطة قانون خاص بهذا الشأن يمنح الفنانون والمبدعون بمقتضاه أما التفرغ المؤقت أو الدائم، طبقا لمعايير واعتبارات مدروسة.
لكن تجدر الإشارة إلى أنه ورغم حرصي على تحقيق هذا الهدف أجد نفسي ملزما في الوقت الحالي بالارتباط بوظيفة تؤمن لي قاعدة مادية تعينني قليلا، وأنا الآن موظف في المجمع الثقافي بأبوظبي.
وبالنسبة لتجربتي في تلفزيون أبوظبي لا شك أنها قدمت لي الكثير فعلاوة عن دورها في صقل خبراتي وتنمية مستواي الحرفي، كانت فرصة غنية لاحتكاكي وتعرفي بغالبية الفنانين الإماراتيين وهو ما يخدم أعمالي ويعينني على الاختيار الناجح لشخصيات أفلامي بناء على ميزات وشخصية كل فنان.
:: الظلال، الصورة، الفراغ، والموسيقا مكونات أساسية في أعمالك. ما السبب الرئيس، وهل تؤمن بأن القصة الفيلمية تشويق بالأساس؟ القصة الفيلمية عبارة عن حبكة وحكاية دقيقة التراكيب وحساسة جدا، فعناصر الجذب والتشويق (كالظلال والفراغ والموسيقا ..) هي المفاتيح التي تحقق إمتاع المتلقي وتشده أكثر لتستطيع عندها وبانسيابية تامة توليد التأثير المرام لديه. وهنا تبرز حرفية ودقة المخرج صانع الأفلام أو المخرج الذي يتوجب عليه أن يعي بإدراك عميق كيفية توظيف هذه العناصر وتوقيت حضورها وتناغمها مع حبكة المشاهد والحكاية الفيلمية كي يتمكن في نهاية المطاف من إيصال الفكرة المرادة وترسيخ الانطباع والقناعة المبتغاة في وعي الجمهور. وأحب الإشارة في هذا السياق إلى أن القصة الفيلمية وشكلها غالبا ما يحددان ويفرضان نوعية ونماذج عناصر الجذب والتشويق الملائمة.
التنوع والشمول
:: ما أحب النصوص الفيلمية إليك؟ تجذبني النصوص المبنية على أفكار متشعبة شاملة تدور في مشهدية حياتية متكاملة ولا تركز على فكرة وحيدة كأن تكون الرومانسية مثلا. المفضل عندي أن أعمل على سيناريو درامي يتضمن العديد من المجالات، وأستطيع القول بهذا الخصوص أنني لا أضع إطارا معينا لخياراتي بل أدرس وأقيم اختياري لقصة فيلمية بناء على الاعتبار الذي أسلفته، وبالأحرى الخيار لدي لا يحكمه اعتبار تفضيل مجال وموضوع حياتي ما أكان اجتماعيا أو سياسيا .. الخ.
:: أي المدارس الإخراجية العالمية تفضل؟ لا أحب التقيد بمدرسة محددة، فأنا متعلق دائما بمبدأ الاغتناء والاستزادة من شتى الخبرات العالمية، لأمزج بينها وأحقق بالتالي شخصية وكينونة ذاتية لها ملامحها وقوتها البارزة، ولكنني لا أنكر في نفس الوقت إعجابي بدرجة أكبر بالمدرسة الإخراجية الروسية التي تعد إنموذجا رائدا وفريدا في توظيف وصياغة لغة الصورة.
:: السينما العربية بوجه عام تتصف حاليا بالجمود وتعاني من التقهقر والابتعاد عن أي ملمح للارتقاء. كيف تشرح أسباب ذلك وسبل الخلاص، وهل ترى أي تجارب مبشرة؟ الفن والسينما بالأساس ثقافة وتربية قيمية مجتمعية، فكيف لها أن ترتقي في عالمنا العربي وتنافس عالميا إذا كانت ثقافة مجتمعاتنا ما زالت تعتبرها نوعا من الترفيه والحاجة الكمالية التي يمكن الاستغناء عنها. السينما العربية وبعدما كانت قطعت أشواطا جيدة أصبحنا نراها تتقهقر.
:: ماذا عن الذائقة والثقافة السينمائية في المجتمع الإماراتي؟ السينما الإماراتية فتية جدا وهي بمقياس عمرها الزمني (6 سنوات) قد بلغت مستوى جيدا وأرى أنها ستحقق نجاحا كبيرا في المستقبل بفضل تحرك ومبادرات شتى الجهات لدعمها، والخامات الفنية والإخراجية الإماراتية الموجودة، إلا أننا بحاجة ماسة إلى إعادة هيكلة خطط الدراسة والتثقيف الاجتماعي العام لتضمينها مفاهيم وأفكار خلاقة في مجال السينما والفن لا كما هو الحال الآن حيث تلمس وبمجرد الإطلاع على ما يعرض في صالات السينما لدينا استفحال انتشار وجماهيرية الأفلام ذات الطابع التجاري الربحي (بوليودية أو هوليودية)، من دون توفر حضور أفلام أخرى من المدارس الأوروبية أو الروسية، فنحن بحاجة إلى تعميق انجذاب الأجيال إلى السينما والفن بشكل صحيح لكي يصبح ذلك جزءا من تكوين ثقافتنا وأساس نمو مستوى ذائقتنا الفنية. كما أشير إلى ضرورة الشروع على وجه السرعة بإنشاء معهد أكاديمي عال للسينما في الإمارات ليكون الراغبون بدراستها، وهم كثر الآن، قادرين على الانخراط الأكاديمي بهذا المجال من دون أن يضطروا للسفر خارجا بغرض الدراسة، وهذا بدوره ما يفيد في تفريخ خامات سينمائية كثيرة، وأيضا قدرة المرأة الإماراتية على الدراسة الأكاديمية بهذا المجال بدل أن تبتعد عنه بحكم تطلبه السفر للخارج.
:: اثنان من أصل أربعة أعمال لك صامتان. ما سر تعلقك بهذا النوع من الأفلام؟ وألا تعتقد أنها عصية على الفهم والانتشار في مجتمعاتنا نوعا ما؟ السينما بالنسبة لي هي لغة تعبير بصري في المقام الأول، واللغة المحكية عامل ثانوي يمكن أن يكون متمما أحيانا. فعناصر القوة الأساسية تنبع من اللغة الحوارية الصامتة التي تتقدم أدواتها حرفية الصورة وحبكتها اللغوية ولا شك أن الجمهور العربي ومنه الإماراتي حتى ولو واجه صعوبة في متابعة نوعية هذه الأفلام في البداية مصيره أن يعتاد عليها ويتعلق بها لاحقا بفضل إدراكه لفاعليتها وخصوصيتها.
ضعف التمويل
:: رأس المال الإماراتي راهنا متردد وخائف من الاستثمار في مجال السينما. كيف توفر التمويل المطلوب لأعمالك وهل يقف شح التمويل عائقا في وجهك؟ مستحيل أن أقبل بالخضوع لهذا العائق مهما كان، فالمخرج وصانع الأفلام المبدع يجب أن يكون قادرا على تجاوز الصعاب والتغلب على عائق ضعف الميزانية من خلال تقنين حجم مصروفاته والالتفاف والتحايل البناء لإنجاز عمله بأقل تكاليف. وبهذا فأنا انطلقت بنفسي واعتمدت على إمكاناتي المادية المتواضعة في تمويل أعمالي. ولكنني أصبحت ألمس في الآونة الأخيرة اندفاعا وعروضا جيدة لدى عدة جهات لتمويل الأعمال السينمائية التي أخطط لها، وأنت محق بذكر عزوف رجال الأعمال وشتى الجهات والمؤسسات عن الاستثمار في مجال السينما بفعل تخوفهم من الإخفاق والخسارة أو حتى عدم الإيمان بجدوى وقيمة الاستثمار من هذا القبيل.
:: مهرجان أفلام من الإمارات .. كيف تراه؟ تجربة رائدة. خلق قاعدة حراك فني سينمائي مميز في الساحة الإماراتية والخليجية عموما، إضافة لكونه أعطى شهرة وسمعة عالمية للنشاط السينمائي الفني في الدولة عالميا.
|