السيرة       أفلام       فوتوغرافيا       الصحافة       روابط


 

نواف الجناحي .. هاجس الأرواح الصامتة

واحد من الشباب الإماراتيين الذين ساهموا في صناعة سينما حقيقية في بلاده

 

 


المخرج نواف الجناحي هو أحد الشباب الإماراتيين الذين شكلوا وساهموا في صناعة سينما إماراتية حقيقية، بعدما ظلت محصورة في عدة تجارب محدودة هنا وهناك. درس السينما في الولايات المتحدة الأميركية وعندما عاد عمل لفترة بقسم الإخراج بتلفزيون أبوظبي. وبدأ في صناعة تجاربه وأفكاره الخاصة عبر سلسلة من الأفلام القصيرة المستقلة التي شارك بها في العديد من المهرجانات. وما يميز أفلام نواف هو اعتماده على لغة الصورة في توصيل أفكاره بعيداً عن استخدام شريط الصوت إلا في أضيق الحدود الممكنة. وقد تمكن بالفعل من صناعة فيلمين صامتين تماماً وفيلمين آخرين استخدم فيهما الصوت كجزء لا يتجزأ من الفيلم وليس مجرد إضافة فارغة، لذا لم يكن من الغريب أن يترك عمله في التلفزيون الذي يبغضه ويصفه بـ "الإذاعة المصورة". السمة الأخرى هي أن أفلامه لا تقف عند فكرة واحدة صريحة، بل من الممكن قراءة الفيلم بأكثر من رؤية، لذا فأفلامه دائماً متجددة، وليس غريباً في أن يعمل على فكرة لمدة ستة أشهر كاملة في فيلم لا يتجاوز الأربع دقائق. وكونه مصوراً فوتوغرافياً محترفاً فيمكنك ببساطة ملاحظة الجمالية التي يضيفها إلى الصورة، مستخدماً أفضل الزوايا الممكنة للتعبير عن أفكاره بالإضافة إلى عناصر الإضاءة والظلال. ومن الملاحظ أنه يقوم بالتمثيل في أفلامه وأفلام زملائه أيضاً، ربما لأنه عشق التمثيل بسبب والده الممثل المعروف محمد الجناحي الذي أتاح له الفرصة للعمل في عدة مسلسلات في البداية، وربما تلخص تلك السمات مشروعه السينمائي الذي يعمل عليه فيلماً بعد آخر.


 

 

"هاجس" هو أول أفلامه الاحترافية وأطولها إذ يصل إلى العشرين دقيقة. ويبدو في هذا الفيلم أن مشروعه السينمائي لم يكن قد تشكل بعد. الفيلم يتحدث عن شاب تخرج زوجته وطفلتاه للتسوق أو لقضاء مهمة ما، ويظل وحيداً في المنزل يحاول أن يتناسى وحدته بصنع الشاي والقراءة والاستماع إلى الموسيقى. ولكنه يسمع أصواتا تأتي كدقات منتظمة، يعلو صوتها مرة بعد أخرى، يبحث عن مصدر الصوت في حوض الحمام ثم في خزان المياه على السطح، إلى أن يفيض به الكيل ويأخذ سيارته ويجوب الشوارع هرباً من هواجسه، وأثناء قيادته بلا هدف يكتشف أن سيارة تطارده فيحاول الهرب منها، إلى أن يجد أمامه حارة سد، ونكتشف في النهاية أن من كان يطارده يريد إعطاءه غطاء عجلة السيارة التي سقطت منه أثناء قيادته السريعة. مشكلة الفيلم أنه لم يعط أي مبرر لهواجس الشاب، فأخذ الفيلم منحى أقرب إلى أفلام الرعب والإثارة منه إلى معالجة فكرة هواجس الإنسان، كما أن إيقاع الفيلم قد تسبب في حالة طويلة من الانتظار، إلى الدرجة التي قد تسبب في نفور المشاهد من إكمال الفيلم.

 

وبعكس "هاجس" يأتي فيلمه الثاني "على طريق" كنموذج متكامل لهذا المشروع، فهو في أربع دقائق من الصمت وعبر اللونين الأبيض والأسود فقط، يقول الكثير من الأشياء التي قد تعجز مئات الأفلام الأخرى عن قولها، الفيلم يبدأ بشاب جالس في وضع مستكين يلهو ببعض الحجارة على الطريق، بعدها يأتي نداء لا يسمعه أحد غيره ربما يكون نداء داخليا بضرورة كسر حالته، والبدء في سلوك طريقه أياً كان، في البداية يبدأ بعدة خطوات بسيطة ثم يمشي سريعاً إلى أن يصل إلى أقصى سرعة ممكنة في ركضه، وفجأة يستسلم ويقع ساقطاً على الأرض متخلياً عن الوصول إلى هدفه. المفاجأة التي يصعقنا بها الفيلم في آخر لقطاته أن خط النهاية لم يكن يبعد أكثر من مترين عن الشاب، ربما لو كان قفز ماداً يده لوصل إليه، ولكن حالة الاستسلام التي شاهدناه عليها في بداية الفيلم هي ما تسيطر على ذلك الشاب من جديد، الفيلم معادل بصري مميز لتساؤل نواف "هل فعلاً نفعل ما بوسعنا"، حتى لو كان الطريق خاطئا، ولكننا لم نعد نبذل الجهد الكافي على الأقل لنشبع فضولنا في معرفة نتيجة الاختيار.

 

في الفيلم الثالث "أرواح" يصل إلى أفضل توظيف ممكن لشريط الصوت، وتصبح الكلمة ذات دلالات خطيرة لا يمكن اكتمال الفيلم بدونها، والصمت أيضاً هنا له معنى آخر. الفيلم عبارة عن أربعة شخصيات تدخل الواحدة تلو الأخرى تحت بقعة ضوء وبجانب كرسي مستقر في منتصف بقعة الضوء تماماً، قبل دخول الشخصيات نسمع صوت فتح بوابة زنزانة ما يشير إلى أن الشخصيات جميعها متهمة. يدخل الشاب الأول الذي يرتدي ملابس غربية قائلاً "السلام عليكم" لتنطلق رصاصة عليه مباشرة، بعده تدخل فتاة تقتنصها رصاصة أخرى بمجرد قول "مرحبا"، الشاب الثالث بالرغم من ارتدائه ملابس عربية صريحة، فهو الوحيد الذي استطاع الجلوس على الكرسي لمجرد أنه قال "هاللو". الشخصية الأخيرة هي فتاة صغيرة لم تتفوه بكلمة واحدة، ومع ذلك لم تسلم هي الأخرى من رصاصات الآخر. "أرواح" فيلم بسيط وواضح ويختزل الكثير في أربع دقائق فقط.

 

أحدث أفلام المخرج هو "مرايا الصمت" الذي عرض بالمسابقة الرسمية في أربعة مهرجانات حتى الآن، ويمثل الفيلم ذروة المشروع الذي بدأه نواف منذ عدة سنوات. هذه المرة هناك شاب يعاني من وحدة قاتلة، لا يستطيع التواصل بالرغم من أنه حاول استخدام الهاتف في البداية، يجلس وحيداً في عيد ميلاده لا يقطع التورتة ولا يصل الكوب إلى شفاهه ليشرب، ويكتفي بإطفاء الشمع ربما لتزيد مساحة الظلال والوحدة. يجلس في زاوية المقهى يحتضن نفسه ويشاهد حديث الآخرين ولكنه لا يسمعه ولا يستطيع التواصل معهم فيترك المقهى بدون أن يأخذ حتى رشفة واحدة من القهوة. أثناء سيره في الشوارع تزيد مساحات الفراغ والخواء، الأبنية الشاهقة تزداد علواً، بالكاد تستطيع تمييزه وهو يسير بجوارها. هناك جدار جديد يبنى، قالب إسمنتي فوق آخر ولا نهاية له، الشاب فنان مسرحي، يحاول قبل الصعود على خشبة المسرح كسر عزلته بالمرآة، فنراه يبتسم لأول مرة. عند صعوده على خشبة المسرح لا نشاهد الجمهور، بل نسمع أصواتهم فقط. ويبدو أن الشاب هو الآخر لا يراهم. لقطات لاستعراضه الجسدي على المسرح، ويبدو أن الصمت مطبق هنا أيضاً. الخواء تزداد مساحته، مع خروج الناس الذين لا نراهم. مجرد أقدام تختفي وتتلاشى. الشاب يحاول إرواء عطشه الإنساني بلا فائدة، بعد النهاية هناك المزيد من العمارات الشاهقة، الجدار الذي كان يبنى اكتمل الآن.

 

هكذا ينهي نواف آخر أفلامه، أفلامه التي دائماً ما تتحدث عن أرواح وحيدة وصامتة حزينة ومهملة تبحث دائماً عن خلاصها، مرة من هواجسها الداخلية ومرة من الثبات في حياتها بدون التقدم إلى الأمام، ومرة من سيطرة الآخر عليها، ومرة من بؤسها ووحدتها وعدم إمكانية تواصلها مع العالم. دائماً هذه الأرواح ما تعود إلى نقطة البداية، تحاول أن تتغير ولكن لا تستطيع ربما بسبب تخاذلها أو ربما رغماً عنها في ظل عصر لا يعترف إلا بالمادة. وهذه مجرد قراءة من القراءات المتعددة لهاجس نواف السينمائي .. هاجس الأرواح الصامتة.

 

:: بقلم / أحمد جودة

جريدة الشرق الأوسط / 18 مايو 2007

 


الصفحة الرئيسية   |   رجوع   |   البريد الإلكتروني