السيرة أفلام فوتوغرافيا الصحافة روابط
آراؤهــم
قدّم نواف الجناحي فيلمه الروائي الطويل الأول "الدائرة"، الذي حافظ على نسق سينمائي يشي بوجود مخيّلة واعية. ارتكز المخرج على اختبارات تجريبية سابقة في أفلامه القصيرة ("على طريق" و"أرواح" و"مرايا الصمت")، لكنه سلك درباً مغايراً في إنجاز الروائي الطويل هذا، إذ رسم ملامح إنسانية مفتّتة بسبب الخراب المجتمعي/ الإنساني، ومرتبكة جرّاء الانهيار النفسي، وقلقة نتيجة التمزّق الروحي. اختار الليل زمناً شبه دائم لمسار أحداث متداخلة في ما بينها، وانتقى شخصيات بعضها واقعٌ في البؤس والانكسار والخيبة، وبعضها الآخر منشغلٌ بوهم الحياة والحبّ. جعل الصورة انعكاساً للنزاع النفسي، ومنح العلاقات القائمة بين أصناف متناقضة من الناس تشكيلاً نوعياً للواقع والتفاصيل المتشابكة بين الجريمة والحبّ والفساد والقتل والشقاء. فالأصدقاء الثلاثة ينفّذون أعمالاً قذرة لرئيس عصابة، والصحافي المتحوّل إلى عالم المال والأعمال مصاب بمرض قاتل لا يقلّ قسوة عن مرض المجتمع المتمثّل بخيانة شريكه السارق. أحد هؤلاء الأصدقاء مهموم بشقيقته، والصحافي عاشق لزوجته، والصدفة تجمعهما، والنسق الإخراجي يجعل رحلتهما إلى النهاية مشوّقة.
في أفلام "نواف الجناحي" تبرز العناية بجمالية الصورة مع حدة الأفكار وبراعة في التعبير عنها بأساليب رمزية مكثفة تجعل من هذه الأفلام علامة فارقة ومميزة في السينما الإماراتية.
لم أصدق عيني، علي الشاشة فرد واحد، شاب لم يتجاوز الثلاثين من عمره، كلما أدار بصره حوله، تصدمه عوارض زجاجية وعوارض معدنية وعوارض سيراميكية، وكلما أراد الخروج من هذا الأسر تقتحم عيناه عوارض أخرى، يهرب إلي الخمر، لكنها لا تحل أزمته، يخرج إلي الطريق فإذا هو نقطة ضائقة وسط ناطحات سحاب.
مرة أخري: لم أصدق عيني، بينما الفرح يملأ نفسي... والمذهل حقا أن نواف الجناحي لم يكن وحده الإماراتي الذي وصل إلي الوظيفة الحقيقية للكاميرا، ففي مهرجان الإسماعيلية للأفلام التسجيلية والقصيرة الروائية والتجريبية والتحريكية عمل رئيس المهرجان الناقد (الملتزم فنيا) علي أبو شادي علي تقديم بانوراما كاملة للإنتاج السينمائي بالإمارات. نحو اثني عشر فيلما تتابع عرضها، ولم تكن كلها سينما خالصة كفيلم "مرايا الصمت"، بل اتجه هذا الجيل الأول من مخرجي الإمارات إلي الواقع المحيط بهم...
يعرض المخرج "نواف الجناحي" في آخر نتاجاته الفيلمية والمعنونة "مرايا الصمت" ما يمكن أن نطلق عليه النشيد الشعري والفلسفي لحالات العزلة القصوى التي يعيشها الفنان أو المبدع داخل نسيج المدن القاحلة والمنزوعة من الألفة والتواصل، تم تصوير الفيلم بالأبيض والأسود وهو اللون الذي تراه الملائكة حسب تعبير المخرج الألماني الشهير "فيم فيندرز"، ومن خلال هذين اللونين المحايدين تماما تتجول شخصية الفيلم التي يؤديها "نواف الجناحي" نفسه داخل منظومة كاملة من المعتقلات الإسمنتية العالية والمرصودة مثل أسوار شرسة وخانقة، تتناوب هذه الحالة من الحصر والكبت في كل الأماكن المحتملة للعيش والتحرك، فمن الغرفة السوداء إلى الشوارع المزدحمة بوجوه باهتة ومرورا بالمقهى المليء بأشباح بشرية ووصولا إلى الخلفية الكابوسية للمسرح الذي تعمل فيه هذه الشخصية المحطمة، تمثل هذه الديكورات المنهارة ما يشبه الحصار المكرر لحركة الحياة الرتيبة والمنهزمة والمنزوعة من البهجة، في إحدى اللقطات المعبرة تمتلئ غرفة الفنان بالبالونات ويمتلئ المشهد ذاته بالألوان الطبيعية، ولكننا نكتشف في النهاية أن الألوان تذوب مجددا في البياض الميت والسواد الأليم، وهناك مشهد آخر نرى فيه الشخصية وهي تحتفل بخرابها من خلال شمعة عزلاء وكأس طافحة بصمت داكن، وحتى المرايا التي من واجبها أن تعكس وجه الشخصية نراها وكأنها تمتص وتستلب ما تبقى من أمل ومقاومة في الخروج من هذا الاختناق الفكري المدمر.
فيلم "مرايا الصمت" هو في النهاية بحث بصري وسؤال حارق عن المتاهة الداخلية للمبدع، وعن التهميش الكبير الذي يأكل من روحه كما تأكل التشققات والشروخ كل احتفال متوقع لشجرة متروكة لقدرها ولوجودها العبثي في صحراء هائلة من النبذ والنكران.
السينمائي نواف الجناحي في فيلمه "أرواح" ناقش، وبلغة سينمائية مكثفة، مشكلة الاغتراب عن الآخر حتى في البيت الواحد، وعدم القدرة على التواصل معه، فاللقطة متوسطة في منظر ثابت وكرسي يذكرنا بكرسي الاتهام في المحاكم، الثبات ميزة اللقطة، الشخصية هي المتحركة داخل دائرة الضوء المحاصرة بالظلمة، ما ان تبدأ الشخصية بالحضور ومحاولة إلقاء التحية للتواصل مع الآخر، حتى تجابه بإطلاق رصاص رمزاً لانعدام أي فرصة حوار. لعل الطفل هو الشخصية الوحيدة التي لم يتم إلغاؤها، ربما لأنها لا تزال غير قادرة على اتخاذ قرارها الذي يسمح لها بالجلوس والمحاورة، وهي في الأغلب لن تكون مهيأة للتواصل ولكنها مستعدة بحكم تجربتها الغضة على التطبع والتنفيذ، الفكرة في "أرواح" جلية، والتنفيذ بقدر بساطته كان بليغاً وعميقاً يدلل على عقلية إخراجية تعرف كيف تركب وتشكل وتلتقط الأفكار كما تلتقط اللُقى، نواف الجناحي مشروع إبداعي قادم لا بد من رعايته ومنحه ما يستحق من دعم وفرص عمل لتنفيذ رؤاه وأفكاره.
في تجربة نواف الجناحي يمسّك فورا ذلك الدفء الإنساني الشفيف وتأخذك تلك الجرأة والجدة في التناول والطرح بطريقة غير متوقعة ومن دون استرسال، هو يريد أن يقحمك معه في لحظة شعورية صغيرة للغاية إلا أنها كفيلة بأن تسع كل من يدركها معه، ويلفك هذا الشعور العميق بالقرب من أعماله.
"على طريق" هو نموذج لتدخل السينما في تجربة صاحبها المخرج التلفزيوني عوض أن تتدخل التجربة التلفزيونية في عمله السينمائي. إنه مخرج اسمه نواف الجناحي درس السينما في الولايات المتحدة قبل أن يعود إلى الإمارات ويحقق عددا من الأفلام. ولنتأمل فكرته هي أن الإنسان الذي لا تحركه الطموحات لا يستطيع الوصول. وطريقته للتعبير عن هذه الفكرة هي تصوير طريق طويل ممتدة بلا تعرجات في الصحراء. إنها طريق سالكة إنما دون سيارات حاليا. تبدو كما لو كانت طريقا في منام. عليها شاب بقميص أبيض وسروال أسود يسير فوق الخط الأبيض المتواصل. لا نعلم من أين جاء ولا إلى أين يمشي لأن ذلك ليس مطلوبا وليس ضروريا (الفيلم ليس جزءا من قصة) لكن الفكرة معبّر عنها جيدا، إذ بعد قليل يفقد الشاب دوافعه. يستلقي على الأرض ولا يكمل المسيرة. بذا هو فيلم برسالة توافق عليها أو تمتنع، لكن التعبير عنها جيد. اللقطات طويلة والفيلم صامت بلا حوار ولا يحتاج المرء لكثير من التمعن. إذا ما كان هناك من جانب سلبي فإنه في أن الفيلم أقصر من أن يوفر مادة صورية وايحائية ثرية. إنه صغير ومتقشف يشبه في ايجازه المثل القائل "من جد وصل".
أفضل ما في "على طريق" ليس اختيار الفكرة بل اختيار اللقطات الساردة لها.
نواف الجناحي الذي درس السينما في الولايات المتحدة الأميركية، ويعيش مناخات عائلية فنية، لو تمكن من إنجاز أفلام سينمائية، فسوف يطبعها بحساسية مختلفة، وموهبة لا جدال فيها، أثبتها من خلال فيلم "على طريق"، فيلم قصير بكل معنى الكلمة، يتميز بتركيز فكرته، حدّتها، واتساعها على تأويلات متعددة، تجسدت بمفردات تعبيرية مرهفة، وأهم من ذلك، غياب الحكي عنه.
"على طريق"، يمنح الصورة والصوت أهميتهما في التعبير والتوصيل، وإستخدام (الأبيض والأسود) يجعل منه مغامرة تخييلية أقرب إلى أحلام اليقظة، فيلم قليل التكاليف، "منزلي" إن صح التعبير، يدفعنا للتساؤل: هل نبذل فعلا كل ما بوسعنا؟
|