السيرة       أفلام       فوتوغرافيا       الصحافة       روابط


 

"دائرة" نواف الجناحي

 

 


أقدم المخرج والممثل الإماراتي الشاب نواف الجناحي على خطوة مهمّة للغاية، بإنجازه فيلماً روائياً طويلاً بعنوان "الدائرة"، مقدّماً نفسه فيه مخرجاً متمكّناً من أدواته السينمائية، وراغباً في إخضاع التقنية لحساب المادّة الدرامية، المشبعة بالحالات الإنسانية المؤثّرة. نجح في جعل الصورة انعكاساً متواضعاً للذات البشرية، وفي تحويل الشريط البصري إلى مرآة للواقع والتفاصيل، بلغة حسّاسة، وشغف حقيقي بالمشهد الإبداعي. أنجز نصّاً مشغولاً بحرفية الموهبة، القادرة على تطوير فضائها وتحسين شروط اشتغالها.

فهو، بامتلاكه حدّاً معقولاً من الأدوات الإبداعية، جعل المادة الإنسانية ركيزة لعمل منصبٍّ في قراءة الحالات، لا في تصوير أحداث وشخصيات. وهو، بتوغّله في عمق الذات وروحها وانفعالاتها، وسط عالم فاسد وموبوء بألف مصيبة وقهر، حرّر تماهيه بسينما غربية من أية تبعية وتقليد، لأنه أدرك كيف يصنع مسافة جادّة بين مشاهداته السينمائية وأفكاره الخاصّة. ولأنه عبّر عن موهبة سينمائية خفرة في أفلامه القصيرة (على الطريق، أرواح، مرايا الصمت)، بدا أقرب إلى حرفية مهنية ما في إنجازه فيلمه الروائي الطويل "الدائرة". والحرفية هذه واضحة في مستويات فنية عدّة، كالإضاءة والسرد الدرامي والتصوير ورسم الشخصيات، على الرغم من هنات قليلة لم تؤثّر، جذرياً، في المناخ العام للفيلم. إذ بدت (هذه الهنات) طبيعية، لأنها ظهرت في "الفيلم الروائي الطويل الأول"، مع أن الجناحي أنجز أفلاماً قصيرة لم تكن أقلّ أهمية من "الدائرة".

 

لم يشأ نواف الجناحي أن يتوغّل في البيئة الإماراتية البحتة، ولم يسع إلى التماهي المطلق بالمناخ الدرامي الغربي. ابتعد عن هذين الجانبين، باختياره مادة إنسانية بحتة، تتمحور حول الصداقة وانعدامها بسبب المال والجشع، والحب وانكساره أمام المرض والموت، والأخوة وضياعها وسط الانهيارات اليومية القاتلة. بدا المخرج الشاب، الذي كتب النصّ السينمائي أيضاً، مشرّحاً حقيقياً لأحوال اللحظة والذات والمناخ الإنساني، عندما ربط مصائر عدد من الشخصيات التي لا تعرف بعضها بعضاً، في حين أن القدر شكّل صلة وصل بينها، وإن بشكل غير مباشر: ثلاثة شبان ينفّذون أعمالاً مشبوهة لمصلحة زعيم عصابة، يقع أحدهم في قبضة صحافي ورجل أعمال صادق وعاشق ومريض حتّى الموت، يُساومه على تنفيذ عملية "سرقة" أموال سرقها شريكه منه من دون رفّة جفن. الشاب متورّط في هذه الأعمال من أجل حماية شقيقته من مصائب الحياة، والصحافي عاشق متيّم بزوجته الجميلة، والعالم الذي يُقيمان فيه فاسد ومجنون وقاسٍ، تماماً كقسوة الحياة ولعنة القدر.

بلغة حيوية وجميلة لا تخلو من هنات عابرة، حقّق نواف الجناحي عملاً لا يُمكن التغاضي عن جوانبه السينمائية الجميلة، والحساسية المرهفة لمخرجه. فـ"الدائرة" إعلان صادق عن ولادة مخرج موهوب يتمنّى المهتمّون بصناعة الصورة أن تُتاح له فرص جادة لتطوير أدواته الإبداعية.

 

:: بقلم / نديم جرجورة

ناقد سينمائي (لبنان)

مجلة زهرة الخليج - العدد 1570 / 25 أبريل 2009

 


الصفحة الرئيسية   |   رجوع   |   للتواصل