السيرة       أفلام       فوتوغرافيا       الصحافة       روابط


 

فيلم قصير للمخرج نواف الجناحي يشكل انعطافة بصرية في تاريخ السينما الإماراتية

"مرايا الصمت" رصد الصمت والعزلة في حياة الإنسان العربي

 

 


أن تزدهر السينما في بلد عربي ما، من البلدان العربية مترامية الأطراف، فإن ذلك يفرح القلب وينعش الأمل بأن مجتمعاتنا باقية وحضارتنا مستمرة فبالسينما يفسّر المجتمع نفسه والسينما مرآة الشعوب.

 

وعندما يأتي مخرج مثل نواف الجناحي من الإمارات العربية المتحدة، ويثير دهشتنا بفنياته الراقية وصوره وتكويناته البصرية وبطليعيته ومشهديته الصارخة في صمتها وتزيّنها بموسيقى رائعة حالمة، فإن ذلك يخرجنا من دواّمة صمتنا لنقول كلمة طيبة بحق هذه السينما الناهضة في تلك البلاد الجميلة .. وبخاصة في أبوظبي.

 

نواف الجناحي، هذا المخرج الهاديء والنشط في آن، والمثابر الصبور، التقيته في قصر الإمارات في أبوظبي ضمن فعاليات مهرجان الشرق الأوسط السينمائي الدولي الثاني 2008. كانت بالنسبة لي صدفة رائعة أنني التقيته ووجدته منهمكاً في حوار جانبي حول السينما في أروقة القصر. وجهه المألوف جرّني إليه لأقول له "كيفك نواف ..." فكثيراً ما تراسلنا عبر الانترنت ونشرنا أخباره السينمائية في موقع جماعة السينما الفلسطينية، وأماكن أخرى، فأخباره التي سبقته، دلّتني عليه، ألا وهو نواف الجناحي. فرحب بي في بلاده بحماسة غامرة وابتسامة طيبة وبلطف مذهل.

 

نواف الجناحي عشق الفن وخلق ليكون سينمائياً بالرغم من كل المعيقات، فهو من عائلة عشقت الفن، وأب احترف الابداع والتمثيل. وترعرع نواف الجناحي في أجواء محبة للفن ومخلصة له. فهذا الأمر دفعه نحو دراسة الفن السينمائي في الولايات المتحدة، وعاد محترفاً للسينما وعاشقاً لها. وبدأ منذ العام 2000 وحتى هذه اللحظة (مطلع 2009، طوال تسع سنوات وبشكل منتظم ومستمر) بمجموعة من الانجازات الفنية البصرية السوريالية الحالمة والطليعية في آن. فهو ممثل وكاتب سيناريو وصاحب فكرة ومساعد مخرج ومخرج ومصور فوتوغرافي وكاتب ومصمم تترات .. وكل ذلك معاً، فلديه أربع أفلام درامية قصيرة وشارك أيضاً في العديد من الأعمال السينمائية كممثل ومساعد مخرج وغير ذلك بحيث أن هذه الأعمال تعد بالعشرات. وهو راض عن ذاته وكأنه الفنان الإماراتي الموسوعي الصغير (مواليد العام 1977) الذي لا يخشى أن يكون في أي موقع يتطلب منه أن يقوم بنداء واجب الفن من أجل بلاده الإمارات.

 

شاهدت فيلم "مرايا الصمت" (2006) للمخرج نواف الجناحي أكثر من مرة، وذهلت من أسلوبه الإخراجي والتأليفي، ويدخل فيلمه ضمن (سينما المؤلف) التي يقوم من خلالها المخرج بصياغة الحكاية الفنية هو متجولاً بين أرجائها، وهذا الذي أوقعني في صدمة .. أي أسلوبه الفانتازي والطليعي في زمن الصمت والعزلة. كنت أتوقع فيلماً درامياً تقليدياً، ولكنه كان على غير ما أحتسب، صادماً لي من حيث تركيبته اللونية الأسود والأبيض ومرايا الصمت المتناثرة شظايا في أرجاء المدينة الحديثة، التي تخيّم على الأجواء عموماً، والاستخدام الرائع للضوء والعتمة والظلال متنوعة الملامح.

 

لثوان في ظل العزلة والصمت يبتسم الجناحي لنفسه في المرآة، كأنه يطمئن ذاته بأن هناك فسحة أو برهة من الأمل المقبل، ولكنه يظل محاطاً بهالة من الصمت المطبق إلا من ثرثرات قليلة في مقهى.

 

وطوال 15:30 دقيقة نتجول مع الجناحي في أروقة خاوية وممرات طويلة وشوارع غريبة إلا من متجولين ورعايا أجانب .. كأنه يريد أن يروي لنا حكايته في حالة من الخواء باحثاً عن حب ما، وحياة، وبشر يشاركونه هواجسه، وشريكة حياة وأصدقاء يشاركونه صمته وعزلته.

 

فيلم "مرايا الصمت" لنواف الجناحي هو ربع ساعة من العزلة والصمت. كنّا شهوداً، وصرنا نشفق عليه مرة، ومرّات كثيرة نشفق على أنفسنا، لأننا نعيش عزلة كبيرة أو أكبر ومشابهة دون أن ننتبه. فيلم الجناحي هو رصد الصمت والعزلة في حياة الإنسان العربي. ورأى ما غفلنا عنه.

 

في المطبخ وأثناء تناوله الطعام وحيداً وعندما أمسك بسكّين لقطع الخبز، ذهب البطل متأملاً الآلة الحادة من لحظة انفعال وغضب صامتين، خشينا أن تذهب به تلك الآلة بعيداً نحو الغياب. ولكنه بالرغم من شدة العزلة كان مفعماً بالحياة ذلك البطل العولمي (العزلة والصراع من تحديات العولمة)، فتغلب على صمته وخرج من عزلته وذهب في المجهول، في التحدّي، بعد أن دلق الماء، الحياة، في الشارع. بعد انتكاسة تجوالية في أرجاء الصمت.

 

وخلقنا من الماء كل شيء حي - لم يبتعد المخرج الجناحي عن ذلك، عندما لوّح بزجاجة ماء في بداية الفيلم وعندما دلق الماء في الشارع في ختام فيلمه ولمّا نهض وانطلق، ليأتي الأطفال من بعده يلهون بالزجاجة الفارغة فيكسرون بها حدّة الصمت والسكون.

 

كان البطل (الممثل - وهو المخرج نواف الجناحي) يريد أن يبوح لنا بشيء عن خيبته من المدن الكبرى وعزلته وعن روحه التي تريد التحليق بجناحين في الحياة (وهو الجناحي)، وكأنه أراد البحث عن بطل أو بطلة بشكل مواز ليفصح ويبوح له/لها بشيء، ولكنه ظل وحيداً في غمرة الحركة المستمرة أو السكون. وكأن ما أراده البطل/المخرج هو تجسيد الصمت وتكوينه في مرحلة من مراحل البحث عن طقس الأسلاف (الكبار والجدود والملهمين مثل صلاح الدين، وقادة الإمارات الكبار الذين غابوا، أو رحلوا ...)، ليقول لهم بـ (لغة الصمت) أن لا مفر من الاستمرار في الحياة. وأعتقد أن الحب أو البحث عن المرأة (فاكهة الدنيا)، والبحث عن الهوية، كانت من دوافع إنجازه لهذا الفيلم، أو كأنه أراد أن يتحدث عن انكسارات روحه الحالمة في المدينة المعاصرة.

 

"مرايا الصمت" انعطافة بصرية مهمة في تاريخ السينما الإماراتية.

 

"مرايا الصمت" هو الفيلم القصير الرابع للمخرج الإماراتي الشاب نواف الجناحي. وشارك هذا الفيلم، لأهميته الفنية والبصرية والتجريبية في تاريخ السينما الإماراتية (وسيشهد التاريخ لهذا الفيلم بأنه انعطافة ما في تاريخ السينما الإماراتية، وسيسجل التاريخ لهذا المخرج موقع الريادة والطليعة في سينما الخليج العربي عموماً) في أكثر من 21 مهرجان عالمي، ويشارك في رحلة موفقة في جنوب إفريقيا .. بعد اختياره رسميا في مهرجان كيب واينلاندز السينمائي، والذي يقام في الفترة من 20 إلى 29 مارس 2009.

 

وينبغي أن نضيف هنا أن "مرايا الصمت" هو "الفيلم، الذي حاز على إعجاب واسع من قبل الجمهور والنقاد على حد سواء، فاز بجائزة المركز الثاني لأفضل فيلم في مهرجان مسلم فيست السينمائي في كندا".

 

باختصار، أثبت فيلم نواف الجناحي الدرامي الرابع "مرايا الصمت" بأنه بطاقة الدخول السينمائية الإماراتية إلى سينمات العالم.

 

على صعيد آخر، يعمل المخرج نواف الجناحي حالياً على وضع اللمسات الأخيرة على فيلمه الجديد "الدائرة"، وهو عمله الروائي الطويل الأول. والفيلم من إنتاج مجموعة MBC وشركة بيوند دريمز، وسوف يكون جاهزاً للعرض قريباً.

 

:: بقلم / تيسير مشارقة

ناقد سينمائي (فلسطين)

موقع جماعة السينما الفلسطينية / 14 فبراير 2009

 


الصفحة الرئيسية   |   رجوع   |   للتواصل