السيرة       أفلام       فوتوغرافيا       الصحافة       روابط


 

"الدائرة"

 

 


نوّاف الجناحي يقدّم أكثر من مجرّد فيلم بوليسي-تشويقي في هذا العمل الروائي الأول له. إنه يدمج الموقف التشويقي النابع من حكاية تدور حول جريمة محتملة مع درس خاص لبعض الشخصيات التي تقود الفيلم. وهو لهذه الغاية أحسن اختيار حكاية تساعده على بلوغ الهدف: عصابة سرقة ستدخل بيت مجاور لبيت رجل يعاني من أزمات: لقد سرقه شريكه، وأخبره طبيبه أنه سيموت بالسرطان قريباً ولا يستطيع إخبار زوجته بذلك. حين يتعرّف على أحد أفراد العصابة يتّفق معه على أن يسرق ذلك الشريك لكي يعطي المال لزوجته قبل رحيله عن الدنيا.

يبدأ الفيلم بتعريفنا بالرجل (عبد المحسن النمر) وزوجته (شوق) هاهو يترك المنزل ليزور الطبيب وهو في حالة وجوم. ينتقل إلى عصابة من ثلاثة أشخاص (ورئيسهم المختفي هو الرابع) يخططون لسرقة منزل آخر. في تلك اللقطات الأولى لأفراد العصابة (من بينهم نواف الجناحي نفسه) وبسبب من الطريقة التي صوّر فيها المشهد داخل السيارة والقائمة على زاوية منخفضة ونقلات بين الشخصيات في لقطات متوسّطة محشورة بين المقاعد وجوانب السيارة، يخلق المخرج توتّراً تفشل الكثير من الأفلام التي شاهدتها مؤخراً في بعثه طوال الفيلم. سيناريو الجناحي يسعى بعد ذلك حثيثاً للبحث عن نافذة صحيحة لربط الحكايتين (الزوج والعصابة) ويجدها، بعد تقديم صحيح للطرفين، في قرار العصابة سرقة البيت بغياب الزوجة وبقاء الزوج وحيداً يفكر في كيفية تدبّر أمره ومصارحة زوجته بعدما كان قابل شريكه النصّاب محاولاً استعادة الشركة منه دون نجاح. حين يسقط أحدهم (على الجابري في تشخيص قوي ومنضبط) في قبضة الزوج يتّفق الإثنان على سرقة شريك الزوج. هذا الإتفاق لا يأتي هيّنا، بل يؤسسه المخرج جيّداً في فصل من المشاهد داخل المنزل ويصبح مقنعاً بحدود المتوخّى منه والغرض الدرامي الإنتقالي له.

إذ تمضي القصّة لتتحدّث عن مفاجآت محدودة في إطار يميل إلى تأمّل الوقائع والظروف والشخصيات عوض الإنجراف في تصعيد الحبكة البسيطة أساساً، يتبيّن للمرء أنه في مقابل حسنة المخرج المهمّة على جانب تصميم المشهد وتنفيذه بصرياً، تفلت من اليد خيوط العمل كإيقاع كما يتعرّض السيناريو لبعض الأزمات في التفاصيل.

على سبيل المثال، هناك مشهد آخر طويل بين الزوج واللص يتم - هذه المرّة - في سيارة الأول. أهم ما يقال فيه كشف الزوج للص عن أنه مصاب بالسرطان، لكن كل الحديث الآخر بينهما يصبح ترداداً لذات الموقف ويخسر من ضرورته كلما مضى. كان يمكن لكسر الإيقاع الجامد الذي يخلقه ذلك المشهد الطويل إجراء الحوار بينما السيارة تجول (خصوصاً وقد اقترح اللص على الزوج أن يقود السيارة في لفّة قبل تنفيذ العملية).

حين يأمر رئيس العصابة الفردين الآخرين (الجناحي وشهاب حمزة) بالتدخل لإجبار اللص قتل الزوج يكتفي المخرج بمشهد عابر لسيارتهما المعهودة وهي تشق غمار الليل. كان الأنجح هنا لو صوّرهما في الصف الأمامي معاً واجمين ما يعزز السؤال فيما لو كانا سيقدمان على قتل صديقهما تنفيذاً للأمر أو ربما يشعران بثقل ما هما عليه وخطورة أمره. المهم أن ذلك المشهد كان بحاجة لمثل هذه اللقطة الخاصّة.

الإنتاج المحدود تراه يعيق بعض التوسّع في أماكن التصوير كما بعض الإختيارات الأخرى. لكن الجناحي يضبط المعالجة البصرية على نحو يعوّض هذا القصور وربما يلغيه من بال المشاهد غير المتمعّن. تلك المعالجة تتضمن التعامل مع القصّة على أساس دراسة الشخصيات من دون التمادي في تحليلها والتداول فيها بإستثناء ذلك المشهد الطويل في السيارة الذي تقدّم ذكره.

في الفيلم حس أوروبي وعين تستطيع التقاط المفردات الصحيحة للتعبير عن منحى الشخصيات. كل الممثلين جيّدين ولو أن بعضهم يمثّل للكاميرا أكثر مما يتوغّل في ذات أخرى. هذا التمثيل للكاميرا قد يكون من تبعات التأثير التلفزيوني وقد لا يكون لكنه هذا البعض سريعاً ما يمر بمناطق تنميط مع قرار من المخرج بأنهم أقل شأناً من أن يصرف عليهم وقتاً.

الفيلم في مجمله ضربة صائبة في الإتجاه الصحيح. النواحي البصرية كلها فوق المستوى العادي وتنفيذ المشاهد ذكي والكاميرا مقتصدة وخالية من حب التأكيد والاستعراض.

 

:: بقلم / محمد رضا

ناقد سينمائي (لبنان)

مدونة محمد رضا - فيلم ريدر / 18 أبريل 2009

 


الصفحة الرئيسية   |   رجوع   |   للتواصل