السيرة       أفلام       فوتوغرافيا       الصحافة       روابط


 

على طريق .. حياتك كتجربة للأرق

 

 


حينما نتحدث عن السينما الروائية القصيرة، فإننا نتناول أكثر مجالات السينما اقترابا من فن الكتابة أو بمعنى أدق نتحدث عن ذلك الفن الذي يعتمد بالأساس على إعمال الخيال الشخصي، ويقلص بشكل كبير مساحة السلبية المعتادة أثناء التلقي، واتخاذ تلك اللحظات الصغيرة كمدخل يصلح لتأمل تجربتك الإنسانية كما تعيشها، موفرا لها امتدادات جمالية للتساؤل ومحاكمة الخبرات السابقة التي تحيا بها طبيعتك.

 

التشابه الذي يجمع بين الفيلم الروائي القصير والنص المكتوب، خاصة تلك الكتابة الغير تقليدية أو الاستثنائية – هذا التشابه نابع من الوعي المغاير في رؤية العالم، والذي يختبر طوال الوقت اليقينيات المعتادة بطريقة استفهامية، سعيا وراء احتمالات ليست مألوفة لفهم الأشياء، وهذا ما ينتج عنه أيضا عدم الحضور للثوابت الجاهزة في تفاصيل المادة الفنية، والاعتماد على ما هو هامشي أو ما هو منسي ولكنه خاص جدا في تكوين هم مختلف بالحياة.

 

أيضا أداءات الخيال لدى المتلقي والتي تعمل أثناء تناوله للعمل، هي ليست تلك الأداءات التي تتحرك لتشكيل عالم مغاير أو بديل، ولا لنسج تفاصيل مختلفة لطرق التنفس، بل بالعكس، الخيال هنا هو ممارسة استدعاء لذاكرة شخصية وممتدة من الوجود الإنساني والذي يمثله حالة المتلقي كذات إنسانية تنتمي لهذا الوجود وتعيش بمقدراته التي يفرضها.. إذن الخيال هنا هو فعل انتماء يتم من قبل المتلقي الذي يعبر بتجربته الخاصة إلى حيث ذلك الوعي أو الرؤية الغير تقليدية التي تؤدي طقسها المعرفي والشعوري أمامه، ليتمكن حينئذ من التعامل مع تلك التجربة – تجربته – بمنطق مغاير أو بحس بديل لما هو كائن فعلا.


فيلم "على طريق" للمخرج "نواف الجناحي" هو فيلم لا يمنحك أكثر من لحظات قصيرة جدا، أو يمكن اعتبار الفيلم لحظة واحدة متقطعة لمشاهد صغيرة جدا، جميعها لا تتجاوز مدة الأربع دقائق ونصف هي مدة الفيلم بأكمله.. هذه المشاهد القصيرة هي تشكيل غير تقليدي، يبدأ من الوعي الذي يمنح الرؤية المختلفة لمحاولة الفهم، ثم ينتج اللحظة المهملة الهامشية الضئيلة التي هي بطبيعة انتماءها للمنطقة المعتمة من الحياة ذات خصوصية شديدة الإيحاء في التعبير عن الهم أو عن الجوهر الملغز للإنسان والعالم.

 

يبدأ الفيلم بشاب جالس بمفرده على طريق خال ومنشغل بممارسة واهنة للعبة قذف الحصاة الصغيرة، كنوع من تمضية الوقت في لهو مختنق ومستسلم ومتراخ، حتى يدير الشاب رأسه إلى الناحية الأخرى من الطريق، كأنما ثمة فكرة أو خاطرة حضرت بشكل ما في ذهنه، جعلته يقف ويبدأ في السير على الطريق.. ويسير.. ثم يبدأ في الجري بسرعة متصاعدة كأنما يريد اللحاق أو تنفيذ أمر ما، كتلك الفكرة أو الخاطر الذي جاءه.. وبعد فترة قصيرة من الجري يتوقف، ثم يسقط جالسا على ركبتيه متعبا بأنفاس لاهثة ومتقطعة، رافعا عينيه باتجاه الطريق الممتد أمامه، ثم يرتمي ممددا بإعياء شديد وهو ينظر إلى السماء حيث الشمس تحدث لها ما يشبه حالة (إختطاف) داخل العتمة، ثم ينتهي الفيلم بتثبيت المشهد على يدين متكئتين على أسفلت الطريق، بطريقة توحي بالإوشاك على النهوض أو البدء في عملية جري جديدة.

 

في هذه اللحظات الضئيلة والمتناهية الدقة، طرح الفيلم مساحة غير محدودة من الاستفهامات الجمالية، عن طبيعة الإنسان وقدرته على الفعل، وعن مقدرة الطاقة الحية في مواصلة السعي وراء هدف ما.. وبشكل أعمق فإن هناك في الفيلم ما يجعلك تفكر في معنى الجدوى.. الجدوى من الرغبة في الفعل والجدوى من الإقدام على تنفيذه.. كما أن المخرج بتركيزه على الطريق الخال الممتد، يثبت أمامك حالة من الوحدة، التي تجعلك كمتلقى تفكر في معنى الحضور داخل حيز ما من الفراغ، الذي يحتم عليك المواجهة بأية طريقة سواء لذاتك أو لذلك الفراغ نفسه.

 

الطريق في الفيلم هو تعبير عن دلالة متسعة يمكنها استيعاب كافة أشكال الحياة، فالطريق هنا هو المساحة التي يغيب عنها التحديد الزمني والمكاني للبداية والنهاية، كما أنه يتصف بالإلزام كقانون من حيث حتمية السير فيه وعبوره.. أيضا خلو الطريق أثناء تواجد شخص وحيد به هو تمثل لوعي الخوف من المجهول وعدم العثور على وصفة نهائية للأمان أثناء المرور به.

 

من جماليات الفيلم التي شكلت عناصر الرؤية الاستثنائية به هو الصمت.. صمت الممثل وبالتالي صمت الفكرة أو صمت الخاطر.. صمت الرغبة والإقدام على الفعل.. صمت السعي وراء شيء ما وصمت التهاوي والإعياء.. كأنما كل هذا الصمت يريد أن يخبرك بأن كل شيء في هذا العالم أيا كان يمكنه الحدوث بتلك الطريقة، وأنه لا حاجة لتحديد أي شيء، فالخاص هنا هو جوهري بالأساس أي تعبير عن الانتماء لحالة وجودية عامة.

 

الفيلم بشكل عام يمثل حالة متسائلة عن ما هو إنساني وما هو كامن في بديهيات حياة هذا الإنسان، مثل الإرادة، والفعل، والجدوى، والوحدة، والخوف.. كما تفرضها طبيعتك، والتي يحاول الفيلم أن يجعلها موضع جدل دون التورط في صياغة حكمة من أي نوع.

 

بشكل خاص أجد أن موسيقى "إبراهيم الأميري" كانت أشبه بدراما حقيقية، وفرت لحالة الصمت التي اتسمت بها أحداث الفيلم نوع من التوازن الهام، ولكن الأجمل أن الموسيقى التصويرية لم تكن في أي من لحظات الفيلم غير منسجمة مع الحالة الشعورية، بالعكس، فالموسيقى كانت أشبه بطفل صغير يحكي بلغته الخاصة قصة هذا الشاب على الطريق كأنه يعرفه جيدا.  

 

:: ممدوح رزق

أديب وسيناريست (مصر)

موقع الفيل السينمائي - 21 يوليو 2005

 


الصفحة الرئيسية   |   رجوع   |   للتواصل