السيرة       أفلام       فوتوغرافيا       الصحافة       روابط


 

أرواح والمعادلة الصعبة 

 

 


إنها معادلة صعبة أن توفـّق بين المضمون الفكري العميق والصورة السينمائية الراقية؛ بموارد قليلة.. ببساطة وبدون أية تعقيدات. هذا أوّل ما جذبني عند مشاهدة هذا الفيلم القصير جدّاً في زمنه، الثقيل جدّاً في وزنه. 

 

المكان : واحدٌ لا يتغيّر. مكانٌ مختصر، ضيّق، كئيب ولكنه شاسع كهذا الوطن المرميّ بدون أهمية من خليجٍ نزِق إلى محيطٍ أرِق.

 

الديكور : أستطيع أن أختصره في أرضية ملساء، نظيفة، نقية - مثلنا تماماً -. وكرسي صارخ في وسط زنزانة المجهول/ الآخر.

 

الإضاءة : تسليط الضوء على السلطة.. على قدرة الآخر أن يحدّد لنا خطواتنا بكل عنجهية ولا مبالاة ويحدّد لنا أين بالضبط نجلس، وما هي حدود حركتنا تحت إرادة ضوئه. الظلمة التي نعيشها؛ فكريّاً وروحيّاً والظلمة المفروضة علينا من الآخر الذي يمنحنا المعلومة التي يريد ويحجب عنا الباقي، ونحن كالأطفال.. صغارٌ نخاف الظلام.

 

الصوت : قاتل!.. لا يهم من المقتول، تُرى كم سعر الرصاصة الواحدة؟!

 

الممثلون : الذكر/ الأنثى/ الشاب/ الطفل/ المودرن/ التقليدي/ الواثق/ الخائف/ المهتم/ اللامبالي/ القريب/ البعيد/ غير المدرك/ غير المتحكم/ الجاهل... الفاقد.

 

الصورة : متقنة، شاملة، تحمل الحياة والموت بألوانها وبأبيضها وأسودها، بسيطة.

 

المضمون : واضحٌ وبسيط، في العمل السينمائي محدود الميزانية والإمكانيات، كلما كنت واضحاً وصريحاً؛ كلمّا استطعت أن تصل نحو هدفك بأقل قدر من التضحيات على المستوى الفنّي. الرسالة في هذا الفيلم واضحة: الآخر ينظر إلينا بدونيّة، يتحكّم فينا، يحدّد لنا هويتنا الفكرية، يقودنا لمسارات محددة تأخذنا للنقطة التي يريد، يحاصرنا بضوئه وبظلمته، يقذفها بوقاحة في وجوهنا "إن لم تكن معنا، فأنت ضدّنا".

 

استطاع الفيلم في دقائقه الثلاث – إذا استبعدنا تترات المقدمة والنهاية – أن يؤسّس لحالة ذهنية يعيشها الكثيرون في العالم العربي، هو تعبير صادقٌ عن ما يجول في أذهانهم. كما استطاع المخرج أن يوظّف الزوايا التي يأخذ منها لقطاته بشكل فعّال، ما قبل الطلقة/ التردد/ الخوف، وما بعد الطلقة/ الإرتطام/ الموت/ اللالون.

 

الأجمل في الفيلم النهاية المفتوحة، الطفلة التي نسمع الطلقة من بعد اختفائها دون أن نعلم حقيقة هل استقرت في جسدها - كما الآخرين- أم لا؟! ربما هذه كانت محاولة المخرج/ المؤلف لأن يقول: إلى أي مدى؟ وإلى متى؟

 

يلزمني أن أقول أنه تم عرض فيلم "أرواح" لنوّاف الجناحي - بعد أخذ موافقته – كنموذج عن تطور ونشأة السينما الإماراتية الشبابية ضمن ورقة بحثية لمساق حول الفنون وتوظيفها في المجتمع بجامعة Griffith بأستراليا خلال النصف الأول من عام 2005. أمتعني حقيقة أن أقرأ ردود أفعال الطلبة على الفيلم مباشرة على وجوههم، ما بين المؤيّد والمندهش؛ ومن بينهم مجموعة من الطلبة الأمريكيين، أن تكون السينما الراقية والهادفة وسيلتنا نحو الوصول لفكر الآخر وإحداث قنوات للتقارب بيننا وبينهم. كيف استطاعت هذه الدقائق القصيرة أن تفتح حوارا طويلاً أكل أكثر من ساعة من وقت المحاضرة في محاولة منّا جميعاً لمعرفة العالم حولنا أكثر.

 

:: خديجة المرزوقي

إعلامية (الإمارات)

خاص / 17 سبتمبر 2005

 


الصفحة الرئيسية   |   رجوع   |   للتواصل