السيرة أفلام فوتوغرافيا الصحافة روابط
|
عرض له "مرايا الصمت" في مسابقة أفلام من الإمارات نواف الجناحي : أحلم بالسينما من الصباح للمساء
الفراغ، الفراغ في المدينة الحديثة النظيفة الكبيرة، الفراغ لا يأتي حرفيا من فراغها بل من وحدته هو، هذا ما توحي به الصورة بالأبيض والأسود، التي يبدو فيها صغيرا يمشي بين طرقاتها وبناياتها العالية الباطونية والزجاجية، مدينة أشبه بـ "ماكيت" نظيفة، ومثلها شقته الفارغة الأنيقة، كنبة وقالب "كيك" وكأس، إنه على الأرجح عيد ميلاده، لا يقطع القالب، يقوم ويمشي، الظلال هي الصورة المكملة للمدينة، وكأن المدينة أصلا مجموعة ظلال، وكأنها افتراضية غير حقيقية. المدينة الفارغة هي نفسها عندما تمتليء، يدخل المقهى المطل على المدينة الشاهقة نفسها الحديثة جدا، نساء ورجال وأحاديث في المقهى، ولكن من دون صوت، من دون أن يصله شيء، هنا الوحدة قاتلة أيضا، يعود إلى كنبته، يقطع الشوارع نفسها، يشرب كأس المياه، إنها الاحتمال الوحيد للحياة، أو الضرورة الوحيدة للبقاء على الحياة.
قد يكون ذلك أحد الشروح لذلك الفيلم الصامت "مرايا الصمت" الذي عرض في إطار فعاليات "مسابقة أفلام من الإمارات"، المشغول بالأبيض والأسود وبعض الملون للمخرج الإماراتي الشاب نواف الجناحي الذي يمثل في الفيلم دور الشاب الوحيد ذاك. خمسة عشر دقيقة تقريبا، قد نخرج منها بشعور قاتل بالوحدة، أو بالأحرى نتنبه فيها لوحدتنا في قلب كل هذه الحداثة، في قلب كل هذه المدن المرتبة الأنيقة. إنه نواف الجناحي، المخرج الإماراتي الشاب، الذي يملك من السينما ما يملأ حياته، يحب أن تكون له الأيام كلها من أولها حتى آخرها لا يفعل بها شيئا غير السينما، لكنها موجبات الحياة، لذلك يقسمها بين وظيفته والسينما. لم يع لما تركته فيه كل تلك الكاميرات في طفولته عندما كان يرافق والده الممثل الإماراتي المعروف، حتى سن الرابعة عشرة عندما قرر أن يتجه إلى السينما، يصدم الوالد، ليكن أي اختصاص آخر، يقول له. تؤجل المواجهة حتى انتهاء الدروس الثانوية، يريد السفر إلى مصر لدراسة التمثيل (بالمناسبة فوالدته مصرية)، يرفض الوالد، يريد لابنه اختصاصا يضمن له الحياة، لكنه يعتصم في البيت لأشهر، وأخيرا يسافر إلى مصر ولكنه يحصل بعدها على بعثة رسمية لدراسة الإخراج في الولايات المتحدة الأمريكية. ولكنها الدراسة التي غيرت فيه الكثير، نظرته للسينما والإخراج، وحتى الإقامة في حد ذاتها تركت فيه ما لا يمحى، فهو في أي حال يعتقد أن كل ما نعيشه يساهم في تشكيلنا، وحتى في السينما، فكل ما نشاهده من أفلام ونعرفه من تجارب حتى السيء منها، هو الذي يعيد تشكيلنا ويقدمنا بالصورة التي نحن فيها.
نواف الشاب، الذي لا يزال في الثلاثين من عمره، شارك لغاية اليوم في واحد وعشرين عملا، إن بالتمثيل أو التصوير أو الإخراج أو مساعد إخراج. أما أعماله الإخراجية الخاصة فهي أربعة، اثنان منها حازا جوائز، "على طريق" حاز جائزة لجنة التحكيم الخاصة في الدورة الثانية من مسابقة "أفلام من الإمارات" (2003) و"أرواح" الحاصل على شهادة تقدير في الدورة الثالثة (2004)، وشاركت أعماله دائماً في الكثير من المهرجانات العربية والأجنبية، وكان عرض فيلمه "مرايا الصمت" أيضا في مهرجان دبي للأفلام القصيرة دورة العام الماضي، لذلك قدم كـ "عرض خاص" في هذه المسابقة. لكنه شارك في هذه الدورة أيضا في فيلمين آخرين، الأول تمثيلا في "بلا قلب" والآخر كمصور في الفيلم المتميز أيضا "عرس الدم" للمخرج سعيد سالمين المري.
نواف، هو الاسم المشترك في أهم الأعمال التي تقدم في هذه المسابقة، هو السينمائي الذي كما يبدو لن يقهره لا الوقت ولا أي شيء آخر، فهو يحب السينما لنفسها، ويعلم تماما أن من الصعب أن تلقى دعماً حقيقياً مادياً، فالبلاد تحتفل، كما يقول، بالشعر، بالكرة، سباق الهجن أكثر بكثير من السينما. لكنه مصر على السينما لأنها حياته، وليست هوايته، كما ينصحه الكثيرون قائلين له "حسنا، تنبه لحياتك، أمن نفسك أولا ولتكن السينما هوايتك". وهذا ليس ممكنا، لا يمكن صناعة السينما بالهواية، السينما حياة كاملة، يقول. أقصى ما يحلم به أن يكون يومه كله للسينما منذ أن يستفيق حتى آخر الليل.
ثلاثة من أصل أربعة من أفلام نواف صامتة، الصورة والظلال خزانها الحقيقي، الزوايا، هناك ثقافة خاصة بالزاويا، أما الموسيقا، فهي في أعماله شيء قائم بذاته، لا استعارات اعتباطية، هنا الموسيقى عنصر حقيقي، تشبه الفيلم وتخرج منه، لذلك فربما تكلفة الفيلم الأساسية التي دفعها كانت لواضع الموسيقا (لأن المصور خالد المحمود صديق قريب)، لقد أعد موسيقا خاصة بالفيلم (وضعها طه العجمي)، إنه احترام حقيقي للسينما. نواف إنه السينمائي الجميل الذي يعدنا، والأهم أنه يعد نفسه، بالكثير من "السينما".
|