السيرة       أفلام       فوتوغرافيا       الصحافة       روابط


 

الهوى جعلني سينمائيا

نواف الجناحي : مفهوم (الفيلم القصير) مازال غائبا عن الجمهور

يدعو لقراءة الأفلام بدل مشاهدتها

 

 


يتميز نواف الجناحي عن أقرانه من السينمائيين الشباب في الدولة بالاندفاع والحماس الكبير الذين تغذيهما غيرته على هذا الفن الوليد، وتسلّحه بالدراسة الأكاديمية في هذا المجال، وبرصيده الجيد من الثقافة السينمائية والحساسية البصرية المحلّلة لكل ما يشاهده من أفلام، وهو ينظر لهذه النقطة كعبء، لكنه عبء جميل - حسب رأيه -، فالمشاهد العادي يستمتع بالفيلم في شكله السردي والحكائي ثم يغادر القاعة ويتبّخر الفيلم من ذاكرته، أما هو فينشغل بما وراء هذا السرد وبتقنيات الفيلم وأفكار المخرج وجماليات التصوير وخلافه، وهو يرى أن هذه الذائقة المختلفة التي يملكها هي التي جعلته يميل لدراسة الإخراج السينمائي، وأن فضوله البصري هو الذي قاده لمغارة الخيال والسحر في تلك الشاشة البيضاء الممتدة على أفق التأويل والمغامرة والبحث.

 

في هذا اللقاء حاولنا رصد مراحل وتغيرات التجربة السينمائية عنده، وحاولنا الاقتراب أكثر من آرائه المتعددة شكلا والمتوحدة موضوعا وهمّاً، هو همّ السينما في الإمارات وما يحمله حاضرها من إشكالات ومستقبلها من تحديات، فكان هذا الحوار.

 

:: أنت من الشباب القلائل الذين ذهبوا للدراسة الأكاديمية في الخارج وعدت بنفس الحماس والاندفاع لإنتاج الأفلام، عكس الكثيرين الذين عادوا وتشتتوا ودخلوا مجالات أخرى، دون أن يستفيدوا وبشكل حقيقي من فترة الدراسة تلك، ما الذي طوّر هذا الحماس في داخلك؟

أنا أرى أن المسألة تعتمد على رغبة التكريس، أي الإصرار على تكريس الهوى الفني المتعلق بإنتاج الأفلام، فأنا ومنذ طفولتي كنت مولعا بمجال التمثيل في المدرسة والتلفزيون والمسرح، ومنذ تلك الأيام وضعت لنفسي هدفا محددا وهو التورط أكثر في أجواء التمثيل والإخراج والاشتغال على الأفلام بكل ما تحمله من تفاصيل وتقنيات ورؤى، لم تكن تلك الفترة مجرّد نزوة سريعة ولحظية كي تتلاشى بعد ذلك مع ضغط الظروف والأعباء الحياتية الأخرى، أنا وقفت عند نقطة معينة وقررت ألا أتراجع، هذا القرار اتخذته لأنني لم أكن أنظر للفيلم من خلال المتعة التي تقدمها الحكاية الدرامية فقط، أي أنني لم أكن مشاهدا سلبيا ومحايدا، بل كنت أنظر للفيلم من خلال متعة التحليل، أي تحليل اللقطات والمشاهد، كنت أريد أن أعرف طريقة تنفيذها، وكيف يمكن للمثل أن يمنحني إحساسا معينا، وغير ذلك من التقنيات الإخراجية التي تحدث وراء الكاميرا، فكان هذا الفضول المشروع سببا رئيسيا في اختياري لدراسة الإخراج.

:: هل كان لوجود والدك الفنان المعروف (محمد الجناحي) الدور أو التأثير الكبير في اتجاهك للتمثيل ومن ثم للإخراج؟

كان وجود والدي في المهنة بمثابة الباب الذي من خلاله دخلت هذا المجال وتعرفت على عالم التمثيل عن قرب، أما بعد ذلك، فأنا الوحيد الذي تحملت عبء تطوير ثقافتي الفنية والعملية والإصرار على الذهاب بعيدا، فالقرار في النهاية هو قرار شخصي وليس عائلي.

 

:: ما هي الأعمال التي نفذتها أثناء الدراسة في الولايات المتحدة، وهل واجهتك صعوبات في تلك المرحلة؟

أول عمل أخرجته أثناء الدراسة كان اسمه "المصدر" وفي هذا الفيلم تعاملت ولأول مرة مع الكاميرا مباشرة، وكان التحدي لذيذا لأنني كنت مُجبرا ومن خلال الشروط الدراسية أن أصور وأُمنتِج الفيلم في ذات الوقت ومن خلال نفس الكاميرا، كانت هناك بكرة سينمائية واحدة لكل طالب، حيث لا يوجد مجال للخطأ أو التردد، فالمدة يجب أن تكون محسوبة بدقة وكذلك درجة الإضاءة والقياسات الأخرى المصاحبة، بعد ذلك نفّذت ثمانية أعمال  معظمها على الفيديو، ما عدا ثلاثة منها صورتها بكاميرا (8 ملم)، كان من ضمنها فيلم "المواجهة" والذي عرض ضمن  تظاهرة أفلام من الإمارات في المجمع الثقافي.

 

:: أثناء عملك الحالي في تلفزيون أبوظبي شاركت في بعض المسلسلات والأعمال الدرامية بمسمى (مساعد مخرج)، هل استفدت من هذه التجربة رغم تخصصك المختلف ، وكيف تقيم هذه التجربة تقنيا وموضوعيا؟

مشكلة الأعمال الدرامية أنها بعيدة كثيرا عن أجواء العمل السينمائي الذي أتمنى أن أخوضه، وأجواء المسلسلات لا تناسب مجال تخصصي، وكما هو معروف فإن نظام التلفزيون هو نظام (تعليب)، أي أن التلفزيون يضع مقاييس محددة وصارمة تتعلق بمدة العرض، ويهمل الجانب الفني ولا يعطيه الأولوية، ورغم هذه الفوارق الموضوعية، إلا  إنني استفدت  تقنيا من هذه التجربة، فأنا أستطيع التعامل حاليا وبسهولة مع الأجهزة الرقمية الحديثة (الديجتال) خصوصا فيما يتعلق بالمونتاج واستخدامات الكاميرا، كما إنني اكتسبت خبرات جديدة في التعامل مع الممثلين وهي من الإيجابيات الكبرى التي استفدتها من العمل كمساعد مخرج، بالإضافة إلى دخولي الجو العملي المتعلق بالإنتاج، والذي لا يختلف بطبيعة الحال عن جو السينما لأن أساسات العمل الإنتاجي في المجالين متشابهة.

 

:: بعد عودتك من الولايات المتحدة نفذت عملين قصيرين هما "هاجس" و"على طريق"، وحاولت من خلال هذين العملين أن تترجم هواجسك السينمائية رغم استخدامك لتقنيات الفيديو، هل مازلت مصرا على تنفيذ الأعمال الروائية القصيرة، ألم تحاول توسيع هذه التجربة وتنفيذ أفلام طويلة أو مغايرة؟

تنفيذ الأعمال الروائية الطويلة أمنية مشروعة بالنسبة لي، ولدي أفكار جاهزة لأعمال تتجاوز الستين دقيقة، ولكن الحاجز الكبير الذي يقطع هذه الأفكار ويدمرها وهي في مهدها هو (التكاليف الإنتاجية)، فالجهد الإنتاجي في تنفيذ الأعمال القصيرة جهد مقدور عليه، أما الأعمال الطويلة فهي صعبة التنفيذ مقارنة بالجهود الفردية، وهذه الأعمال إما أن تنفذها بشكل صحيح أو لا تنفذها أبدا، لا يوجد هنا حلّ وسط!

 

:: أنت من الأشخاص الذين ينظرون للأفلام بعين فاحصة وناقدة وتحليلية، فما هو النقد الذي مارسته ذاتيا على عمليك "هاجس" و"على طريق

اكتشفت في فيلم "هاجس" مشاكل كثيرة في المعالجة، والغريب في الأمر إنني لم أتبينها إلا بعد مشاهدتي للعرض الأول في مسابقة (أفلام من الإمارات)، لا أدري، ربما لأنني نفّذت الفيلم بسرعة وكنت منشغلا كثيرا بالأمور التنفيذية والإنتاجية، واكتشفت أيضا أن إيقاع العمل كان هابطا ومملا، لأنني لم أعطِ المونتاج المساحة الكافية لحذف واختصار بعض المشاهد واللقطات، ورغم أن هذا الإيقاع الهابط لم يكن تأثيره واضحا على الأحداث وعلي المُتفرّج، إلا إنني تأثرت وندمت على اكتشافي المتأخر هذا، أما فيلم "على طريق" فلم أجد فيه أية مشاكل.

 

:: لكن البعض تسائل عن المعنى المقصود من وراء تنفيذك لفيلم "على طريق" وقال البعض أن معالم الفيلم الدرامية لم تكن واضحة، ما هو تفسيرك لهذا اللبس في الاستيعاب؟

أنا أرى أن المشكلة ليست في الفيلم ذاته ولكن في فهم الجمهور لمعنى (الفيلم القصير)، الجمهور عندنا لم يتعود على الكثافة والاختزال الذي يطرحه الفيلم القصير، والذي يعتمد على الفكرة الخاطفة والتنفيذ المُعبّر واستخدام الرموز والدلالات، الجمهور هنا تعوّد على الأسلوب السردي والحكائي الطويل، كما في المسلسلات والتمثيليات والأفلام التجارية، إن الوعي الجماعي لم يستوعب حتى الآن فكرة فهم الفيلم من خلال الصورة فقط، فالفورم القصير في مثل هذه الأفلام يحتاج لتكنيكات معينة، وهي ليست سهلة كما يراها البعض.

 

:: هناك فكرة مطروحة لإنشاء جمعية أو نادٍ للسينمائيين في الدولة، أسوة بالجمعيات والأندية التخصصية الأخرى، البعض يرى في هذه الجمعيات مجرد مؤسسات ديكورية خاوية إلا من المشاكل والحساسيات بين الأعضاء، فهي تضر أكثر مما تنفع، والبعض يراها مظلة لدعم ورفد وتجميع الطاقات الشابة في مجال السينما، هل أنت مع هذه الفكرة أم ضدها؟

أنا أرى أن أول مشكلة ستواجه هذه الجمعية هو موقعها، في أية إمارة سيتم تأسيس هذه الجمعية؟، هناك جمعيات كثيرة موجودة في الدولة، ولكن القليل من الأعضاء يرتادها بسبب بعد المسافة، وإذا كانت هذه الجمعيات مجرّد أمكنة للتجمع العشوائي أو الديكوري - حسب تعبيرك - فلا داعي لوجودها أصلا!

 

:: ولكن يمكن لهذه الجمعية أن تحفظ حقوق المخرجين وكتاب السيناريو وكل من له علاقة بالمجال، من خلال تسجيل المشاريع وتوثيقها، كذلك يمكن لها أن تساعد في ربط القنوات بين المهتمين والاتصال بالجهات المختصة لتوفير الدعم التقني والإنتاجي وخلافه..

لا يوجد أسهل من الأفكار والتصورات على الورق، ولكن عند التنفيذ تظهر مشاكل لا حدّ لها، فإذا وفّرت الجمعية الدعم الإنتاجي، فلمن ستوفره؟ ما هي الأولويات؟، بالتأكيد سيتعرّض البعض للظلم بسبب الإجراءات الروتينية والإدارية، على العموم فإن إنشاء جمعية للسينمائيين مع الأهداف التي ذكرتها أنت تعتبر فكرة نبيلة، ولكن الوقت الحالي غير مناسب لإنشائها، ما زلنا نحتاج لوقت أطول حتى تظهر شريحة واسعة من المهتمين بالسينما، فالجمعية بحاجة لكيان بشري واضح وملموس وفاعل، أكثر من حاجتها لمبنى ومرافق شكلية، ودعني أتساءل هنا، أين ذهب السينمائيون الذين سبقونا، لقد اختفوا كلهم وتركونا نحن كي نؤسس من جديد هذا الكيان السينمائي الاعتباري، دعنا نرسّخ أنفسنا أولا، ثم نتحدّث عن جمعية أو نادٍ بعد ذلك، ما نحتاجه الآن وبقوة هو وجود أشخاص يملكون وعيا سينمائيا واضحا.

 

:: وكيف يمكن نشر الوعي تجاه هذا الفن الذي مازال يتحسس وجوده في المكان؟

الوعي السينمائي لا يمكن أن يأتي من خلال الصداقات والحوارات بين السينمائيين فقط، ولا عن طريق وسائل الإعلام ودور العرض، هذا الوعي يتأسس وبشكل صحيح من خلال المعاهد، وهذا ما نفتقده، نحن بحاجة لمعهد يدرّس السينما، ولا نحتاج لجمعية يرتادها الهواة والمتحمسون فقط!

 

:: برأيك، ما هي المعطيات القادرة على إثراء التكوين السينمائي للمخرجين الهواة أو الجدد؟

أتمنى من كل شاب متحمّس للإخراج أن يقرأ الأفلام، لا أن يشاهدها فقط، وقراءة الفيلم تعني تحليله ومعرفة دوافع المخرج وراء كل لقطة ومشهد وكيفية توظيفه للإضاءة والموسيقا والحوارات، ولماذا تكون بعض اللقطات مقرّبة وبعضها بعيدة، وما هي الدلالات التي تمنحها اللقطة العلوية مثلا، هناك بعض الشباب استخدموا اللقطات العلوية بشكل مبالغ فيه لمجرّد أنهم يملكون الرافعة (الكرين)، وبعضهم أسرف في استخدام (الشاريوه) لنفس السبب، ليس عيبا أن نسأل، وليس صعبا أن نقرأ، ويجب ألا نكون حساسين تجاه النقد، هناك مهرجانات يمكن حضورها والاحتكاك من خلالها بتجارب الآخرين، وهناك مصادر متنوعة لتعزيز الثقافة البصرية والمعلوماتية، أهما الإنترنت بلا شك، الثقافة السينمائية مهمة جدا بجانب الدراسة الأكاديمية، والأهم من كل ذلك المحاولة والتجربة والتنفيذ على أرض الواقع.

 

:: لك تجربة في إنشاء موقع إلكتروني على الإنترنت يهتم بالشأن السينمائي المحلّى، ما قصة هذا الموقع، وما هو الهدف من إنشائه؟

في العام 2001 أسست موقعا أسميته (أفلام الإمارات)، وكان هذا قبل التظاهرة التي نظمها المجمع الثقافي بشهرين، كان الهدف من هذا الموقع التعرف على شباب آخرين لهم نفس اهتماماتي السينمائية، كي نلتقي في هذا المكان الافتراضي، ونكوّن فريقا أو جماعة سينمائية في الإمارات تتعاون وتعمل على تنفيذ الأفلام، ثم ربطت هذا الموقع  بالمنتديات الحوارية، والشيء الإيجابي الذي لاحظته، هو أن شريحة كبيرة من المشاركين في مسابقة (أفلام من الإمارات) أصبحوا روادا شبه يوميين للمنتدى، وأصبح هناك نوع من التفاعل والحوار  والنقد  والنقاش الإيجابي بين الأعضاء، كما أن المنتدى أفاد الشباب في الدعاية المجانية لأفلامهم المنفذة ولمشاريعهم القادمة، ولمن يريد الإطلاع على هذا المنتدى السينمائي في موقع (برزات الإمارات) فإنه يستطيع زيارته على الموقع التالي:

http://www.geocities.com/emaratfilms

 

:: ماذا عن الأطياف السينمائية التي تفضلها، ما هي نوعية الأفلام التي تتابعها، ومن هم المخرجين الذين تركوا بصمة في وعيك السينمائي؟

ليس هناك مثال سينمائي أو اتجاه ومدرسة معينة أتبعها، وليس هناك مخرج معين أعتبره مثلي الأعلى، لأنني أتأثر بكل شيء وأشاهد كل التجارب باختلاف التصنيفات التي تتبعها، أنا أفضل المشاهدة الشاملة ولا أحبذ التخصصية والذوق الأحادي، ورغم ذلك لا أنكر أنني أحببت كثيرا فيلم "المواطن كين" لأورسن ولز، وثلاثية "العرّاب" لفرانسيس فورد كوبولا، خصوصا الجزء الأول لأنه كان الفيلم (التحفة) بالنسبة لي وكان أقرب إلى الكمال الفني مقارنة بالأفلام الأخرى التي شاهدتها.

 

:: حوار / إبراهيم الملا

سيناريست وصحفي (الإمارات)

جريدة الإتحاد - ملحق دنيا الإتحاد / 10 سبتمبر 2003

 


الصفحة الرئيسية   |   رجوع   |   للتواصل